الشيخ السبحاني

56

في ظلال التوحيد

إن المسلمين بعد رحيل الرسول تفرقوا إلى أمم ومذاهب مختلفة ، ولم يكن ذلك إلا إثر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة ، بإدخال ما ليس من الدين ، في الدين . وكان عملهم تحويرا لصميم العقيدة الإسلامية وشريعتها ، فلولا البدعة والمبتدعون وانتحال المبطلين ، لكانت الأمة الإسلامية أمة واحدة ، لها سيادتها على جميع الأمم والشعوب في أنحاء المعمورة ، وما أثنى ظهورهم إلا دبيب المبتدع بينهم ، فشتتهم وفرقهم بعدما كانوا صامدين كالجبل الأشم . والحروب الدموية - التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها ، وخضبت الأرض بالدماء الطاهرة ، وسل المسلمون سيوفهم في وجه بعضهم ، فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الأرض - هي من جراء البدع النابعة عن الأهواء والميول النفسانية ، حيث كانوا يتحاربون باسم الدين ، والحال أن الدين كان في جانب واحد ، لا في جوانب متكثرة . إن صراط النجاة في الإسلام هو صراط واحد مستقيم دعا إليه المؤمنين عامة وقال : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ( 1 ) . وأمر المسلمين أن يدعوا الله سبحانه ، أن يثبتهم على هذا الصراط كي لا ينحرفوا يمينا وشمالا كما يقول سبحانه تعليما لعباده : { اهدنا الصراط المستقيم } ( 2 ) ولكن المبتدع يسوق الناس إلى سبل منحرفة لا تنتهي إلى السعادة التي أراد الله سبحانه لعباده . فحق التشريع والتقنين لله تبارك وتعالى ، وقد استأثر به وقال : { إن الحكم

--> ( 1 ) الأنعام : 153 . ( 2 ) الفاتحة : 6 .